تاريخ الطباعة في العالم و إيران

إنّ فنّ الطباعة في الحقيقة يعود إلى قرونٍ سبقت غوتنبرغ، الذي سُجِّل اسمه في التاريخ بوصفه مخترع الطباعة. فقد كان الآشوريون قبل آلاف السنين من الميلاد يطبعون نقوشاً على ألواحٍ من الطين بواسطة أختامٍ محفورة. أمّا استخدام الحروف المتحرّكة القابلة للنقل، فقد بدأ بين عامي 1051 و1058 في الصين على يد رجلٍ يُدعى بي شِنگ، وكانت الحروف تُصنع من الطين. ورغم أنّ المحاولات اللاحقة لصنع حروفٍ من القصدير أو يدوية لم تلقَ رواجاً، فإنّ الحروف الخشبية أصبحت شائعة. وفي سنة 1440م ابتكر غوتنبرغ من غير اطّلاعٍ على الأساليب الصينية نظام الحروف المتحرّكة الخاص به، فجعل لكلّ حرفٍ من الأبجدية قالباً منفصلاً. وعلى الرغم من أنّ الصينيين هم أوّل من ابتكروا الحروف المتحرّكة، فإنّ غوتنبرغ، وكان صائغاً، توصّل إلى سبيكة مناسبة من الرصاص والأنتيمون لصبّ الحروف بحيث لا تكون قاسيةً ولا رخوة، كما ابتكر تركيبةً ملائمةً للحبر الطباعي، وبذلك تمكن من جعل عملية الطباعة قابلةً للتطبيق العملي.
بعد نحو عشرين عاماً من تجارب غوتنبرغ الأولى، انتشرت الطباعة بالسطوح البارزة في مدنٍ مثل البندقية وفلورنسا وباريس وليون، لكن بسبب ارتفاع التكلفة اقتصرت على الأثرياء ولم تحظَ بانتشارٍ واسعٍ في البداية. وبعد قرابة ثلاثة قرون، وتحديداً عام 1796م، اخترع الكاتب المسرحي الألماني ألويس زِنِفِلدِر الطباعة الحجرية (الليتوغراف)، وكان الحجر الواحد المنقوش عليه النص أو الصورة ينتج نحو 750 نسخة قبل أن يتآكل. ورغم تعدّد الروايات حول بداية الطباعة الحجرية في إيران، يُعتقد أنّ ميرزا صالح الشيرازي هو أوّل من أدخلها، إذ ابتُعث إلى أوروبا لتعلّم الفنون الحديثة ثم عاد إلى تبريز عام 1250ـ (نحو 1834م) ومعه آلة طباعة حجرية أسّس بها أول مطبعة حجرية.
وسرعان ما أُنشئت مطابع مماثلة في طهران وأصفهان ثم في سائر المدن. وظلّت الطباعة الحجرية لأكثر من خمسين عاماً الوسيلة السائدة للطباعة في إيران حتى أواخر العهد القاجاري. ومن اللافت أنّ الطباعة بالحروف الرصاصية كانت قد أُدخلت قبل الطباعة الحجرية بثماني سنوات، لكنها أُهملت لكلفتها وصعوبتها، ثم عادت إلى الانتشار في أواخر العصر القاجاري. كانت الطريقة بسيطة نسبياً: يُضغط الورق على حروفٍ رصاصية بارزة مغموسة بالحبر فتنتقل الكتابة إلى الصفحة. في بداياتها كان صفّ الحروف للصحف يدوياً، ثم استُخدمت آلات الصفّ، وأشهرها اللينوتايب الذي صُنِع عام 1886م، ما زاد سرعة الإنتاج وكفاءته. ومع التقدّم التقني حلت الأنظمة الإلكترونية محلّ تجهيز الحروف الميكانيكي.

يرى بعض الباحثين أنّ بداية الطباعة في إيران تعود إلى العهد الإيلخاني، فيما يرجّح آخرون أنّ اليهود الناطقين بالفارسية كانوا أوائل من أدرك أهمية طباعة الكتب. ففي عام 1639م طُبعت ثلاثة كتبٍ باللغة الفارسية في لايدن بهولندا على يد بعثاتٍ تبشيرية مسيحية، وتُعد تلك المطبعة أول من نشر كتباً بالفارسية في العالم. وأمّا أول كتابٍ طُبع داخل إيران فهو مزامير داود (زبور داوود) الذي طُبع عام 1638م في جلفا الجديدة بأصفهان باللغة الأرمنية على يد قساوسةٍ أرمن. وكان الأرمن أوّل جماعةٍ تؤسس مطبعتها الخاصة وتنشر مصادر مسيحية بحرية، محتلةً المرتبة الخامسة عشرة عالمياً في قِدم الطباعة، بفضل البيئة المتسامحة التي وفّرها الشاه عباس الأول الصفوي. وبعد نحو ثلاثين عاماً من انتقالهم إلى جلفا، أسّس الأرمن ورشةً للطباعة وبدؤوا بالنشر.
تشير روايات الرحالة ولا سيما شاردَن إلى أنّ الإيرانيين في العصر الصفوي كانوا على درايةٍ بالطباعة ويتطلّعون لإدخالها إلى بلادهم. وفي عهد نادر شاه الأفشاري ذكر جون بينكرتون وجوناس هنوي تداول كتيبات مطبوعة باللاتينية والعربية. وقد شهدت الطباعة تحوّلاً كبيراً في عهد ولاية عهد عباس ميرزا القاجاري إثر حروب إيران وروسيا. وتشير الوثائق إلى أنّ أول مطبعة مؤكَّدة أُسست في تبريز سنة 1233هـ (1818م) على يد آقا زين العابدين التبريزي بدعمٍ من عباس ميرزا. ويُعد كتاب فتح‌نامه تأليف ميرزا أبو القاسم قائم مقام الفراهاني أوّل كتابٍ فارسي طُبع في إيران سنة 1234هـ (1819م).

تكشف دراسة أوائل الكتب المطبوعة أنّ الحكومة آنذاك استخدمت الطباعة لأهدافٍ سياسية وتعليمية؛ فغلبت الموضوعات التاريخية والدينية والأدبية، إلى جانب الترويج للصحة العامة والثقافة المدنية. وحوالى سنة 1240هـ (1824م) استُدعي ميرزا زين العابدين إلى طهران بأمر فتح علي شاه القاجاري لتأسيس مطبعةٍ حكومية جديدة. ومن المثير أنّ الطباعة الحجرية راجت في إيران بعد الطباعة الرصاصية؛ فقد أُرسل جعفر خان التبريزي إلى موسكو لتعلّمها، ولما عاد في 1239–1240هـ أحضر آلة طباعة حجرية إلى تبريز. وطُبع أول كتابٍ بهذه الطريقة وهو القرآن الكريم سنة 1248هـ (1832م) على يد ميرزا أسد الله، ثم طبع بعد ثلاث سنوات كتاب زاد المعاد. وسرعان ما انتشرت الطباعة الحجرية في المدن الأخرى، حتى عادت الطباعة الرصاصية في عهد ناصر الدين شاه القاجاري بعد أكثر من نصف قرن.
وأثّرت الطباعة الحجرية في أساليب الخطّ الفارسي، إذ فرضت متطلباتُها التقنيةُ تغييراتٍ في أسلوب التحرير والكتابة. وكان لتأسيس مدرسة دار الفنون أثرٌ بالغ في مسار الطباعة؛ إذ أدّت الحاجة إلى الكتب الدراسية إلى إنشاء ورشةٍ خاصة لطباعة مؤلفات الأساتذة وكتب الطلاب وبعض المصنفات الأخرى. وقد أُسست هذه المطبعة الصغيرة عام 1268هـ (1851م) باسم دار الطباعة الخاصة العلمية المباركة بدار الفنون بطهران بإشراف عليقلي ميرزا اعتضاد السلطنه، واستمرت حتى 1300هـ (1883م) وأصدرت نحو أربعين عنواناً. كما أُسست مطبعةٌ حكومية في عهد ناصر الدين شاه لطباعة الكتب والصحف.
أدّت الثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين إلى ازدهارٍ كبير في صناعة الطباعة بإيران، فزاد عدد الصحف وتضاعفت قراءتها. واستُخدمت الطباعة الجيلاتينية ثم الاستنسل لتكثير المناشير والبيانات السرية. وبعد تشكيل مجلس الشورى الوطني الأول أُنشئت مطبعة المجلس لطباعة الجريدة الرسمية ووثائقه، وسرعان ما أصبحت أكبر مطبعة في البلاد. كما أُنشئت مطبعة شاهنشاهية بإدارة عبد الله خان القاجاري واستمرت حتى 1328هـ (1910م).
في عهد محمد علي ميرزا القاجاري حلّت المطابع الخاصة بالحروف الرصاصية محلّ المطابع الحجرية الحكومية تدريجياً، وبحلول 1330هـ (1912م) لم يبقَ منها إلا القليل. وبين 1307 و1317ش (1928–1938م) بدأت الحكومة بتحديث طباعة الكتب المدرسية على نطاقٍ وطني. وأدّى تأسيس جامعة طهران والمؤسسات التعليمية الجديدة واتساع أجهزة الدولة والجيش إلى زيادة الحاجة للطباعة واسعة النطاق، فأنشئت مطابع حكومية عديدة مثل مطبعة الجيش وبنك ملي ومؤسسة التبغ والسكك الحديدية وغيرها.
ومن 1941م إلى 1953م، وعلى الرغم من فترات الرقابة، شهد قطاع الطباعة والنشر نمواً وحريةً نسبية. وازداد عدد الدوريات بعد سقوط رضا شاه. وفي تلك الفترة أُنشئت مطبعة تابان كأول مطبعة خاصة مزوّدة بآلات أوتوماتيكية حديثة، وهو تطور لافت في تحديث الطباعة. كما طُوّرت مطبعة بنك ملي والمطبعة التابعة لصحيفة اطلاعات لتصبحا من أكبر المطابع وأكثرها تجهيزاً.
وفي خمسينيات القرن العشرين أُدخلت إلى إيران آلات الأوفست الدوّارة وطابعات ثنائية ورباعية الألوان، ما أحدث نقلة تقنية في هذا القطاع. وكانت مطابعا كيهان وسپهر من أبرز مطابع ذلك العقد. وفي الستينيات دخلت الصناعة مرحلةً جديدة بفضل إصدار الكتب المدرسية الحديثة والكتب الجيبية الرخيصة وتوسّع برامج التدريب الطباعي. وحتى منتصف الستينيات كان التعليم يتم بنظام «المعلم والمتعلم»، ثم أُنشئ عام 1965 قسمٌ فني للطباعة، ومنذ 1966 أُرسلت بعثات إلى النمسا لتعلّم أحدث التقنيات.
وأثناء الثورة الإسلامية عام 1979 كانت المطابع من أهم مراكز المعارضة ضد نظام الشاه. وبين مغادرة محمد رضا بهلوي في يناير 1979 وبداية الحرب العراقية-الإيرانية في سبتمبر 1980 صدر أكثر من 350 صحيفة. ومنذ الثورة شهدت صناعة الطباعة نمواً كبيراً بفضل عوامل عدة: زيادة عناوين الكتب والمجلات، تخفيف الرقابة (مع فتراتٍ محدودة)، توسّع التعليم الطباعي، صدور مجلات متخصصة مثل صناعة الطباعة والطباعة والتغليف، تقوية النقابات المهنية، ودخول الحاسوب والشبكات الرقمية التي أحدثت ثورة عالمية في المعلومات والاتصال. كما أسهم نمو الجامعات وازدياد نسبة المتعلّمين وتوسع شريحة الشباب في رفع الطلب على المطبوعات.

وفي عام 1992م (1371ش) استُخدمت الطباعة الملونة لأول مرة في الصحافة الإيرانية، وكانت صحيفة همشهري أول يومية ملوّنة. وفي العام نفسه صدر نظامٌ جديد بشأن تأسيس المطابع ووحداتها والإشراف عليها. وتواصل المطابع الحكومية طباعة الطوابع والأوراق المالية وتذاكر الحافلات والمستندات الرسمية وفق أنظمة خاصة. كما أُنشئت مطبعة العملة عام 1982م وبدأت العمل في العام التالي، ومنذ 1988م تُطبع جميع أوراق النقد الإيرانية محلياً. وقد حدّد المجلس الأعلى للثورة الثقافية يوم 11 شهريور (2 سبتمبر) يوماً وطنياً لصناعة الطباعة في إيران.